الجمعة، 19 ديسمبر 2008

أعمِدَة ُالأسمَنتِ

أعمِدَة ُالأسمَنتِ

1
عِندمَا هَبَط عَلىَ رُكبَتيهِ وَانحَنَىَ
يُكَوِّرُ الطمْيَ حَوْلَ لِبلابَةٍ
- في اللحَظةِ هذهِ –
نَبتتْ أصَابعُ قدَمَيهِ جُذوعاً
وَاحتوتهُ نَخلة ً...
الخَبَرُ دَفعَنِي لاستِدعَاءِ وَجْههِ
آخَرَ لِقاءٍ
والعَرَقُ الأسْوَدُ بأتربَةِ الهَوَاءِ القاهِريِّ
يَسِيلُ من جَبينهِ
يَدَاهُ تحَاولان دُونَ جَدَوىَ
الخَوفُ بدا مُرْبكاً
فتحَدَّثَ عن قريتهِ الأشبَهِ بكومَةٍ
من القشِّ وَالكائناتِ
" القاهَرةُ تعدُّ لِي شَرَكاً
عَشْرَةُ مَلايين لم يَفعَلوا شيئاً "
تتخَطفُ عينيهِ أعمِدَة العَمَائِر

في مَشهََدِهِ الأخِير انجَذبَ للخَلفِ
شاخِصَ العينين
وَامْتدَّ وَسَط رَفرفةِ عَصَافيرَ رَمَادِيةٍ
فرحَ الأوَلادُ وَتسَلقوا
فمَرَّ الوَقتُ بصُورَةٍ أوْ بأخْرَىَ

2
أخْرَجَ مِنْ تحتِ إبطِهِ صِوَرَ سَاقِيةٍ وَأبيهِ
وَصَلصَال طمْي ٍ وَدَرَّاجَةٍ بُخَاريَّةٍ وَمِنجَل ٍ
وأقلامٍ وَوَرَق وبنتٍ وَخُبز رَحَىَ
وَأرَانِبَ تتقافزُ وَمِنديلَ قمَاش ٍ
بَعْثرَهَا كلهَا فِي فِناءِ المَدرَسَةِ
فِي انتظار ابتسامةِ رضَا
يستلقي عَلىَ ظهْرهِ مُغمَضَ العَينين

" أنا استواءٌ يتجَلىَ في قبْح الطمْي وجَمَالِهِ
وَلا يكونُ أبَدَا يَا صَاحِبي
إلا طمياً...

أعرفُ أنكَ مُعترضٌ عَليَ!
- لا.
- إذن . أنتَ سَعيدٌ بي!!
- أبَداً. أنتَ هَكذا وَيَكفِي.
- كيفَ يُمكِنُنِي أنْ أرَاكَ أيضاً ؟
- مِثلَ عَامُودِ بَازلت عَلىَ مَدخل مَعبَدٍ
وَضَعَتْ جُلودُ أصَابعَ كثيرةٍ رَائِحَتهَا
وَاختلافَ ألوانِهَا
فخَمَشتهُ تعريَة الوَقتِ

3
فِي ليلةٍ مُقمرةٍ
ظلََ جَريدُ النخلةِ يَعزفُ مِثل طاحُونَةِ الهَوَاءِ
يَحْصُدُ قطراتِ البُخار خِفية ً

الصِّبيَة نَائِمُونَ فِي حُلم ٍ
يُرَفرفون,
يتقافزون عُرَاة ً
يَهُزُّونهَا
وَيَمْتلِئونَ بالغَيم.

4
مِنَ الدَّور العَاشِر يملأ عينيهِ بالمَيدَان
مِن بين أعمِدَةِ جَدَار السُّلم
لم يَرَ السَّمَاءَ وَقتهَا
تعمَلُ غدَدُ العَرق, يبْرَدُ وَيَرْتجفُ
البنتُ التي صَعَدَ لهَا
- جَلسَ يَبكِي جوار أمِّهَا –
عَقدَتْ الدَّهْشة حَوَاسَّهَا,
واعتبَرَت المشهَدَ كَسَرَاً لرَتابةٍ يَومِيةٍ,
تأمَّلتْ
يفتحُ فمَهُ بشفتين مَزمُومَتين وعَيناهُ تتسِعَان
يخمِشُ لِحيتهُ النابتة بأظافرَ صَلبةٍ

التمَاسُكُ جَعلَ ساقيهِ عُكازين
بالقربِ من حُشودٍ مُتنافرةٍ
تسَمََرَتا, وتقوَّسَ ظهرَهُ
يبحثُ عن الأرض
الغبارُ تصَاعَدَ من جَوَانِب الطريق
والأجسَادُ رَمَادِيَّة
فقط

5
يستلقي العمُّ " عُبية " فوق جسر
ينظرُ إلى طِفلهِ نخلة ً وَجَريداً
يبحثُ عن عَلاقةٍ مَا
تربط ابنهُ
بالعَصَافير الدَّقيقةِ الرَّمَادِيةِ,
حين تأخذهُ الدَّهشة لصِغرها المُبَالغ فيهِ
يقهقهُ وَقتا كافيا حتى يسعلُ بجديةٍ
يَتكوَّرُ في نومَتهِ جوارَ سَاقيتهِ الجَافةِ
يَطمئنُ لصَلابةِ الأرض تحت جَسَدِهِ النحِيل
سَاقاهُ المُلقيان خارَجَ الجلبابِ
تبدوان مُتصِلتين بجثةٍ نافقةٍ
ينكأ الأرضَ بعصَا شجَرَةٍ
وَيَنشجُ
ُيقرِّبُ عَينيهِ من الترابِ
يَرمُقُ النخلة برفع جَفنهِ لأعْلى
ويعودُ ينشجُ بقوةٍ
تقعُ دَمْعَاتٌ كبيرة بالقربِ من ركبتيهِ
يرتجفُ تحت شمس يوليو
في انتظار أن تتحوَّلَ مَرَّة أخرَى
وَتعُودُ إليهِ " مُحَمَّداً " !
الأولادُ
مَازَالوا
هُناك

ليست هناك تعليقات: